ما حدث فجر اليوم في واشنطن ليس حدثاً أمريكياً داخلياً معزولاً، هو تحول سيعيد رسم طاولة المبادرة الأمريكية في ليبيا. ولكي نفهم التحول، يجب أن نفهم أولاً طبيعة المبادرة نفسها.
المبادرة ليست سياسة دولة مؤسساتية، هي مشروع شخص واحد هو مسعد بولس، مستشار الرئيس ترامب للشؤون العربية والأفريقية. اشتغل منذ بداية الولاية الثانية بمنطق الصفقات لا بمنطق بناء الدولة. الفكرة التي طرحها كانت واضحة ومباشرة توحيد الميزانية، توحيد المؤسسة العسكرية عبر مناورات سرت، مقابل فتح الحقول الليبية أمام الاستثمار الأمريكي في النفط والمعادن. وهذا ما تحقق جزئياً، ميزانية موحدة لأول مرة منذ 2014، ودخول شركات مثل شيفرون وكونوكو فيليبس إلى المشهد.
لكن الثمن السياسي لهذه الوصفة كان الصفقة التي سربتها الصحافة الدولية في يونيو الماضي استمرار الدبيبة في رئاسة الحكومة مقابل وصول صدام حفتر إلى رئاسة البلاد. صفقة بين عائلتين مقابل استقرار معلن.
هذا البناء كله كان يعيش تحت مظلة واحدة عدم اهتمام واشنطن. لا وزير الخارجية روبيو ولا باقي أركان الإدارة تدخلوا في التفاصيل، فتركوا الملف لبولس يدار بهدوء بعيداً عن الأضواء.
ما حدث بالأمس نسف هذه المظلة.
أولاً، عامل الوقت أصبح قاتلاً. البيت الأبيض من اليوم وحتى الثالث من يناير، موعد تسلم الديمقراطيين للكونغرس، سيدخل مرحلة دفاع وجودي. تحقيقات موسعة، استدعاءات، ومحاولة لوقف نزيف الشعبية بسبب التضخم وتبعات الحرب مع إيران. في مثل هذه اللحظات، يبحث الرئيس الضعيف داخلياً عن انتصار خارجي سريع يقدمه كإنجاز.
بولس الآن أمام نافذة لا تتجاوز ستين يوماً. إما أن ينتزع توقيعاً سريعاً من الأطراف الليبية ويقدم لترامب صورة إنجاز جديد يغطي على هزيمة الكونغرس، وإما أن يجمد الملف تماماً لأن البيت الأبيض لن يملك رفاهية الانشغال بليبيا بعد يناير. لذلك من المتوقع ضغط أمريكي مكثف وغير مسبوق خلال الأسابيع القادمة، ليس لأن ليبيا أصبحت أولوية، بل لأن واشنطن تحتاج لصورة نجاح.
ثانياً، الكونغرس الجديد سيغير قواعد اللعبة. الديمقراطيون فازوا بخطابين مركزيين مواجهة غلاء المعيشة، ومحاربة تضارب المصالح وفساد الدائرة المقربة من الرئيس. والمبادرة الليبية بتركيبتها الحالية تقدم مادة مثالية لهذا الخطاب. صهر الرئيس يتوسط بين عائلات ليبية نافذة، لتنصيب ابن جنرال في الرئاسة، مقابل عقود نفط لشركات أمريكية. هذا المشهد لا يمكن أن يمر في كونغرس سترأسه لجنة علاقات خارجية ديمقراطية ذات توجه حقوقي.
ما سيحدث هو أن الكونغرس سيعلق أي تمويل مخصص للمبادرة، بما في ذلك مخصصات إعادة فتح السفارة في طرابلس، ويشترط شرطين جديدين لم يكونا في الحسبان الشفافية الكاملة ونشر كل بنود الاتفاق، وربط أي اعتراف أمريكي بأي سلطة جديدة بمسار انتخابي ملزم بإشراف أممي، وليس بتعيين توافقي. بمعنى أدق، فكرة تنصيب رئيس بالتوافق المغلق فقدت غطاءها التشريعي فجر اليوم.
الكونغرس الديمقراطي يعيد ثلاث لغات كانت إدارة ترامب قد أسكتتها لغة حقوق الإنسان، ولغة مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ولغة المواطنة وحق إثبات الوجود.
إن هزيمة الأمس لم تدفن المبادرة الأمريكية، بل نزعت عنها ستار السرية وحولتها من صفقة غرف مغلقة إلى ملف سيفتح تحت أضواء الكونغرس والإعلام الأمريكي. وهذه هي اللحظة التفاوضية النادرة.
ثمانية أسابيع يكون فيها البيت الأبيض ضعيفاً ويحتاج لتوقيع، ويكون فيها الكونغرس القادم قوياً ويحتاج لشفافية.
علينا أن ندخل من هذا الشرخ ونفرض معادلة مغايرة تزن المشهد وتذهب بنا لإستقرار اكثر صمود
بقلم/ د . رانيا عبد السلام عثمان الصيد

